إسباني ولا ألماني ولا الهوي رماك!
إبراهيم عيسي
اكتشفت أننا جميعاً نسأل نفس السؤال: إنت بتشجع مين؟
مباراة ليس لنا فيها إبرة ولا جمل، لا هي بين أهلي وزمالك، أو بين أي فريق أمامهما، ولا هي مصر ولا عرب ولا حتي أفارقة، إنها مباريات كأس الأمم الأوروبية، صحيح أنها فذة، ومؤكد أنها مذهلة بشكل يفوق قدراتنا علي احتمال مشاهدة كرتنا المصرية التي تعودنا عليها عشوائية وبطيئة ومملة، خصوصاً مع نقل تليفزيوني مصري يناسب ذوي الاحتياجات الخاصة ومتحدي الإعاقة، فهو رتيب ومعطوب وفقوي «نسبة إلي أنس الفقي»، إلا أننا مع ذلك نسأل ونجيب عن هذا السؤال: إنت بتشجع مين؟
في كل مباراة يبدأ الجالس في المقهي بجوارك سؤالك ذات السؤال، وفي البيت من أشقائك ومن جيرانك، وفي خناقات العمل، الكل يصف المباراة وماحدث فيها مع سؤالك: كنت بتشجع مين أو إجابة متطوعة كنت بأشجع كذا، إذن ما الذي يجعلنا نشعر بأننا لابد وأن نشجع أحد الطرفين، لماذا ننحاز لفريق بعيد عنا جداً ولا علاقة له بنا تماماً، لماذا اكتأبت مثلاًِ عندما انهزمت تركيا «هل لأنها مسلمة وأسماؤهم مثل أسمائنا..ربما » طيب لماذا بكي البعض علي فرنسا «لاهي مسلمة ولا ساكوزي اسم مصري من شبرا » كذلك هذا الانحياز المصري العميق لإيطاليا كأنها من بقية عيلتنا علي رأي جدتي الله يرحمها، عندما كانت تندهش من حزننا علي أحد بشكل عميق أو خيبة أملنا فيه، فكانت تستنكر وتشجب مشاعرنا وتقول: كأنه من بقية عيلتكم، وفي مباراة نهائي البطولة بين إسبانيا وألمانيا سيكون السؤال في كل بيت ومقهي وشلة وشركة: إنت ح تشجع مين الليلة أو من كنت تشجع في النهائي، حسناً ما السر؟
الحقيقة أن هذا هو مفهومي عن حتمية الانحياز في الحياة، وأن الحياد هو بمثابة الوهم الكذوب، في المشاعر الإنسانية، وبين أبناء البشرية وفي العلاقات من السياسية إلي العاطفية، وفي الصراعات من الحروب العسكرية إلي المباريات الكروية، يبقي الانحياز أصيلاً وحقيقياً وإنسانياً، كلما انحزت كلما كنت بشرياً حقيقيقاً ومن لحم ودم، وكلما ادعيت الحياد فأنت تراوغ أو أنك تقترب إلي الجمادات وليس إلي البشر، حتي إن تعريف الشخص العادل عندي هو الشخص المنحاز للحقيقة أو إنه الشخص الذي يقاوم انحيازه لصالح الحقيقة، ومن هنا مثلاً تسمع مصطلح «روح العدالة» بمعني أن ينحاز القاضي للحق حتي لو كان الحق ضد القانون أحياناً، فتبرز روح القانون وليست نصوصه، وكذلك في عالم السياسة لايمكن الزعم أن هناك حياداً، بين الحق والباطل مثلاً، ولهذا أشعر بالأسي من إصرار مصر علي لعب دور الوسيط بين الفلسطينيين وإسرائيل، والقول بأنها طرف محايد وكأن هناك حياداً بين القاتل والضحية، بين الجاني والمجني عليه؟ وفي الواقع الاقتصادي لايمكن الزعم أن هناك حياداً بين الفقراء والأغنياء، فالانحياز للضعفاء والمستضعفين واجب وفرض ديني وإنساني وسياسي، وفي كل الدنيا الانحياز للطبقات الأفقر هو معيار النجاح السياسي سواء في أعتي الدول غني وفي أشد المجتمعات فقراً، إلا عندنا، فالوضع منحاز بطريقة عكسية تماماً، كما قال موالنا الشعبي العتيق العميق.
الدنيا حاجة ومحتاجة وحواجة
جبرت السبع راح للندل عاز حاجة
قوم اتمطع الندل قال السبع مش حاجة
تاريك يازمان علي ولاد الأصول عساس
قاعد تهد البنا لما رسيت علي الساس
وياما ولدات ناس للأنجاس محتاجة
.........
أرجوك تذكر أنني كنت أتكلم عن كرة القدم!!