مسرحية شعرية من مشهد واحد وهو المشهد الأخير
الشخصيات حسب الظهور :
1- هــى
2- هــــو
الوقت :
فى إحدى الأيام وقت الغروب
المكان :
فى مكان ما بالمقطم
يرفع الستار
خشبة المسرح عارية.. ثمة منزل خرب وشجرة جرداء في الخلفية وصخرتان كبيرتان تتوسط المسرح
تدخل فتاة في حوالي الحادى والعشرين من عمرها ، تلف أرجاء المسرح في حركات تفقدية مضطربة ، ثم تجلس على إحدى الصخرتين .. ، يغلفها قلق الترقب والانتظار .. ، قلق تجسده اضطرابات ضوئية وصوت موسيقي مجروح ؛ بعد لحظات يدخل شاب في حوالي الخامسة والعشرين من عمره ، يقترب من الفتاة ، تعلو الموسيقا شيئاً .. فشيئاً ..، ثم تسكت فجأة ، فيثبت المشهد للحظات على المسرح
:"هــو "بخفوت
السلام عليكم
:"هــى " بلهفة وحزن
وعليكم السلام .. فى موعدك بالتمام
(يتحرك الفتى نحو الفتاة الجالسة ، ويجلس على الصخرة المجاورة ، فتنتفض بحزن وانفعال شديدين ، ثم تبدأ في الحديث)
:"هــى " بثبات قليلا
أتعلم لما دعوتك إلى هنا ؟
أتذكر .. هنا
أمنياتنا
أحلامنا
أنت وأنا
..هنا
حيت وُلـد الحب وتصالبت الشفاه
..هنا
حيث انتحر الحب وتفجرت المأساة
:تتابع كلامها
جئت أسألك سؤال
شردنى لضفاف المحال
بالله عليك أجيبنى : من أنت ؟
أأنت الشخص الذى عشقت ؟
أأنت الحب الذى أمتلكت ؟
أما أنك بئر مظلم وبه سقطت ؟
أما أنك نهايتى .. ونهايتى كانت بغدرك لا الموت ؟
(يومئ الفتى رأسه ثم يغطي عينيه)
: هــى " تمسح دمعة سقطت بالخطأ من عينيها"وتتابع حديثها
كنت أريدك أن تعلم
حقيقة أمرى المبهم
كى أكسر قيدك .. يا وغد
كى انهض من نومى لأقبل شمس الغد
كى أهرع خلف نهارى الأخضر
وأطوق أزهار الفل ..وأسماك الأنهر
جئت بسكينى أنوى ..أن أضرب حبك فى مقتل
وأكفن أيام الماضى ..لن أتردد .. لن أخجل
فأمهلنى قليلا .. كى أنهى علاقتنا من الجذر
وسأذبح أشباح الليل .. وسأبذر أحلام الفجر
طلب بسيط لا أكثر ..كل غايته هو العدل
ومازال السكين بكفى .. وكل غايته هو القتل
:"هــو " مصعوقاً
!أما زلتِ تنافقين ؟
!أما زلتِ تدعين ؟
..ما جئتكِ إلا
كى أقتل فيكِ شبح الخوف
كى اكشط عنكِ جلد الزيف
كى أهدى عقلكِ للحق
وأرشدكِ لطريق الصدق
فاغسلى عنكِ خيبة ما فات
واستمعى لما هو آت
:"يتابع حديثه " بعنف
ما كنتُ كما تدعين ذاك النذل
ولا جئتك أتطهر من عفن الذل
فكفانا
نتحدث عن زمن ولّى.. زمن قد بطلت عملته
كشِعر منحدر التعبير .. وسقطت فى الظلمة جملته
(ينهض الرجل وينظر إلى السماء يزرع المكان جيئة وذهابا ثم يعود ليجلس مرة أخرى )
يضم ركبته إلى صدره عاقداً يديه عليهما يرفع عينيه إليها ، وكأنه)
(تذكر شيئا
:"هــو " بحرقة وكأنما يخاطب المجهول
...أتذكرين؟
حين كنا نتشارك فى قرص الخبز
فى رشفة قهوة أروع من أروع كنز
فى قطعة لحم مشوى وفى طبق الأرز
..كان حبنا
سيف يقتص منا
رغماً عنا
طيف من خلف الأجفان
يأتينا دون استئذان
لكنكِ استحللتِ دماه .. فى لحظة ضعف
وكشفتِ كل أوراقكِ .. وختمتِ بختم الزيف
:"هـى " بتحدٍ
هوّن عليك
ها أنت ولم تتغير
إعصارٌ رغم الإعصار
بل جمر في وهج النار
قاسيتُ كثيرا من أجلك ..وأضنيتُ كثيرا
تحملتُ العتبَ من حولى .. وصبرتُ طويلا
دوما نصحونى بأن أبعد عن زيف خُطاك
..لكنى لم أنصت يوماً
حمقاء .. كنتُ أهواك
يا زير النسوة .. يا وغد .. يا بئر العفن
حتماً ستواجه آلاما .. تفوق أعمار الحزن
وسترى يا ألعن سفاك
من منا الأشر الأفاك
من منا أجهض أحلاماً
وأصبح للغدر إماما
من منا طعن الأفراح
من منا غول , سفاح
:"هـــو " مهتاجاً وثائر
ما زلتِ تحلمين ؟
لم يعد ينفعنا الحلمُ
ولا الفرحُ
ولا الحبُّ
ولا الأمان
ولا الحنين
أقنعتكِ نفس الأقنعة
والأدوار هى الأدوار
ومصيركِ أن يبقى يحرثكِ العار
تخفت الإضاءة حتى تصل لحد الإظلام عند هذه النقطة ن ثم يسلط ضوء أبيض عليه )
(في حديثه دون أي تغيير غير تحولات الشكل الانفعالي
:"يواصل حديثه "بيأس لا نهائي
أعطيتكِ قلباً كالحلم
وأهديتكِ كنوز العمر
لكنك كنتِ غامضة غموض الليل
وركضتِ خلف شهواتكِ .. وسابقتِ الخيل
خائنة كنتِ .. ولم تزلىّ بالقلب كالجرح الغائر
لوثتِ الطهر بفعلتكِ ..وشطبتِ صدق المشاعر
فكيف تآمرتِ على حبنا ..وعامه الأول لم يكملِ
وكيف أتصور أن يكون على اليد التى عبدتها مقتلى
فترة صمت
هـو وهـى يجلسان متواجهين ، الإعياء متمكن منهما )
(لا كلام
:"هــى " تغير لهجتها القاسية
عذرا مولاى .. لم أقصد شيئا
مازلتُ أتمناك .. وانتظرك فى العتمة ضوءا
فمع حبى..
كل غموض ترى السر فيه اتـَّضحْ
ومن كل ركن أتاكَ الفَرَحْ
قد كنتُ قيثارة مالها من غناء وعزف سواك
تصلى صلاة التمنى كل صباح .. كى تنال رضاك
كان كل همها أن تشم البنفسج بين راحتيك
وأن تعتصرها كل مساء بين ذراعيك
:تقول بصوت هامس متممة حديثها
فحبك كان كعرض السماءْ
كلون الأزاهير ..كشدو البلابل فى العلياءْ
فحب وعشق ووصل ووجَدْ
كلام وصمت ونجوى وسُهدْ
عطاء وزهد.. وقرب وبُعدْ..
:متلعثمة حزينة تواصل قائلةً
وحين ضاع حبك .. وعدتُ بخفى حنين
وما عاد فى الروح ما يـُسترد
وظل ليلىّ طويلاً طويلا .. بعيد عن شمس الغد
فمقدورك أن تهوى شيئا
أو تبغضه
أن تبغض عدة أشياء
مقدورك أن تهوى فكرا
أن تقضي وقتك في رحله
أن تفني عمرك من أجله
أن تفعل ما شئت و شاء
مقدورك أن
ترفع صوتكْ
تعلن غضبكْ
لكن أبدا
لا تنس عدة أشياء
قلباً قد وهبك عرشه
وماض لن تنسى أمسه
:"هـــو " يقاطع حديثها باستعلاء وغضب
انتهى عن ذاك الحديث يا ثرثارة
فمنك تبرأ تاريخى وقد صرتِ عاره
وإياكِ أيها الأفعى
أن ترتدى عباءة التقوى
فأنا خبير بجنس النساء
وأنت ما زلتِ أقصوصة تـُروى
من كل كأس لى رشفة
وفى كل موطئ لى قدم
أنا الذى سلبت النساء ببسمة
وأخرجهتن للنور من العدم
فما أنا تلميذك .. ولستُ إليكِ انتمى
فقد غيرتُ بعدكِ .. قلبى , ملامح وجهى , دمى
يقترب هــو منها خطوة ، ثم يبتعد خطوتين ، يدور حولها ، ثم يدنو منها)
(يريد أن يمد يده ليخنقها .. لكنه ينسحب عن قراره ويهم بالرحيل
:"هــــى " تخاطبه بلهفة
لا يا حبيبي
لا تدعني
لم يعد في ذلك المكان غيرنا
هيا نغني للغروب
فالغروب طيب
ويعشق الأغاني
اعزف
وها أنا أغني
:"تصرخ فيه بهستيريا "
الآن .. غن .. لي ..
غن .. لي .. ، وانتظر .. لا تتركني وحدي
كي لايلطمني البرق على خدي
( تتجه ببصرها للسماء ، وتبدأ في الغناء غير ملتفة إليه)
فترة وجيزة
تنتبه إلى أنها تغني وحدها تنظر إليه يكون قد غادر المكان)
(نهائيا ، تجري خلفه ، تصل إلى حافة المكان ، يبدو أنها تراه
يخفت صوتها تدريجيا وهى تنطق باسمه، حتى)
(لا نكاد نسمعه ، إلى أن تسكت تماما ، كأنها مغشيٌّ عليها
( تغمر العتمة المكان، عدا دائرة ضوء تنير الشجرة الجوفاء العارية وكأنها هى نهايتهما)
ستــــــــــــــــار
النهــــــــــــــــــاية